ساق الغراب… تعاضد السرد بين الحس الحنيني والتموضع الشعري

13 May 2009

 

محمد الحرز
الحياة - 31/03/09

 

 

تحويل الذاكرة التاريخية إلى عمل روائي هو تحويل لا يشترط فقط امتلاك أدوات المؤرخ المحترف، أو الخبرة في امتلاك الوعي التاريخي بالوثائق والسجلات، أو القدرة على تلمس مكونات التراث المحكي والأسطوري، بما يتلاءم والتوظيف الروائي، وإنما الأكثر أهمية أيضاً هو امتلاك الحس الناستولوجي (الحنيني)، الذي يشد مفاصل العمل إلى هذه الذاكرة من العمق.
ليس ذلك الحس الذي ينصرف مفهومه إلى عقدة الحنين إلى الماضي والانحباس فيه، وإنما ما نعنيه هنا ونحاول افتراضه هو ذلك الحس الذي يرتفع بالرواية إلى مصاف المخيلة، حيث الدلالة القصوى للمعنى الذي ينتجه السرد هو وثيق الصلة بالموقع الذي يمثله هذا الحس داخل الرواية ذاتها.
فكلما كان موقعه يعمل على توسيع رقعة تأثيره انطلاقاً من كون هذا التأثير هو الخيط الناظم الذي يرتكز عليه العمل ككل. وانطلاقاً أيضاً من كونه القيمة الجمالية التي تعيد بناء الرؤية والمعنى في النص.
فإن هذا الحس بالتأكيد لن يتوقف عند حدود الرؤية السطحية للأشياء، سواء على مستوى الشخوص أو الأمكنة أو القيم والعلاقات الاجتماعية وتحولاتها الزمنية الضاربة في العمق.
وبالتالي يمكن أن يقال ان الذاكرة التاريخية في العمل الروائي لم تسقط في فخ التأريخ والتوثيق كما هي الحال في بعض الروايات، التي سجلت حالات توثيقية وتسجيلية، لكنها لم تنتظم في نسيج السرد الروائي وبنائه الفني، بل عملت على تفكيكه من الداخل.
ولم تسقط أيضاً في الأدلجة كمنظور إلى هذه الذاكرة، بل منظور الرؤية الشعرية إليها، وهيمنة منطقه عليها، يصبح بمثابة السد المنيع الذي يمنعها من السقوط في هذا الفخ.
ويمنعها كذلك من رؤية العمل الروائي، باعتباره مجرد استرجاع حنيني، وليس استبصاراً وتأملاً ورؤية.
إذاً هذا التعاضد الذي نقيمه بين وظيفة هذا الحس الذي نفترض هيمنته على السرد من جهة، ومن جهة أخرى بين مكونات الرؤية الشعرية، التي نفترض أنها مجمل المواقف والتعابير والعلاقات التي تقيمها الرواية بين الشخوص، أو بينها وبين القيم الحياتية والوجودية التي ترتكز عليها من العمق.
هذا التعاضد هو الذي سنختبره من خلال تحليل رواية «ساق الغراب» للروائي يحيى امقاسم، بحيث نحاول الكشف عن مفاصله وتجلياته وفق الافتراض السابق.
فمنذ البداية تنفتح الرواية على المكان، ليس بوصفه الحاضن لأحداثها والمحرك لشخوصها فقط، وإنما أيضاً بوصفه منبع القيم التي يتأسس عليها المجتمع، وتنهض بها العلاقات، ويرى من خلالها إلى الحياة والوجود والإنسان.
فقرية «عصيرة» التي هي إحدى قرى وادي الحسيني جنوب غربي المملكة هي المكان الواقعي، الذي تجري فيه الأحداث، وكذلك هي المكان المتخيل الذي يمنح الأرض قداستها، ويهبها القيمة العظمى التي هي رمز حياة أهل هذا الوادي، ورمز كرامتهم وعاداتهم وتقاليدهم.
وعلى خلفية تقاطع هذين المكانين سردياً، تنسج الرواية فنيتها، وتشيّد بناءها وتنمو شخوصها.
وليس معنى التقاطع هنا سوى الوظيفة السردية التي تنهض بها الرواية.
وهي وظيفةٌ من جملة مهامها إبراز الأثر الشعري والدلالي للمكان وفضائه على عموم مجتمع الرواية.
إن هذا الارتباط الوثيق بالمكان وأرضه وتضاريسه له دلالة كبرى مؤثرة، تظهرها الرواية باعتبارها ذاكرة مجتمع اندثرت معالمه، وتلاشت أغلب سماته. حيث المرأة فيه هي الوريث الشرعي لهذا الارتباط ، والتعبير الرمزي عن قيمه وعاداته وطقوسه.
وليست شخصية «صادقية» وكذلك «شريفة» سوى دليل على هذا التوريث، بما يحملانه من صفات شخصية قيادية ومهارية وحتى أسطورية، تفضي بهما إلى أن تكونا في محل الصدارة والرياسة. إن فكرة التشبث بالأرض هي فكرة شاعرية في الأساس، ناهيك عن كونها منبع القيم التي تشكل في مجملها هوية قرى وادي الحسيني. وعلى رغم الشواهد الكثيرة، يمكن الإشارة إلى مقطعين اثنين من الرواية، يمثلان ما نريد قوله: الأول يشير إلى إقدام البعض من أهل «عُصيرة» على قتل «ولد الهيجة»، وهو عمل طارئ على تقاليدهم وأعرافهم.
يقول السارد في مونولج داخلي يخص شخصية شريفة: «لقد اقترفوا بفعلتهم تلك جرماً عظيماً في حق واديهم وأهليهم، وأتوا بما لم يأت به أحد من قبل، فما عهد الأولون منهم أن يجتمع قهر قوم مرة على رجل أعزل، وليس هذا وحسب، بل إن هذا الأعزل قد ناصبوه العداء بظنون مجردة لا أدلة دامغة تثبتها» إلى أن يقول: «فإذا هم يشنون عليه حرباً ظالمة بكامل قوتهم، ولا يجدون أمامهم غير القضاء عليه، دون أن تردعهم مكانته العالية في معتقداتهم، وذلك غيلة لا تقرها أعراف واديهم في الحرب ولا قيم المِخْلاَف كاملا.
ص330 «.
أما المقطع الآخر فيأتي في إطار التنبؤات المستقبلية التي تصدرها الأم «صادقية» بخصوص قريتها من طرف الغرباء أو ما تسميهم الرواية «قوم الذلول». يقول السارد عبر تنبؤاتها «إن تتابع النور على الجبال يُقرّب إلى الأم فكرة أن هؤلاء الغرباء سيتتابعون فرقا فرقا، لا يثنيهم عن تبديل الطبيعة القائمة أي شيء وتجريدها من أمسها، تحقيقاً لشكل ساق الغراب الجرداء من منابت الحياة، وأنهم سيواصلون عملهم الدؤوب دون توقف، حاصدين فلذات الأكباد من الطين ابتداء، أراضي وخزائن قوت، ومن الولد تاليا. ص243».
من خلال هذين المثالين، وغيرهما بالتأكيد، يتضح لنا الآتي: أولاً: الاعتداء على شخصية «ولد الهيجة» وقتله هو رمز للاعتداء على القيم.
لكن حس التحسر على هذا الاعتداء يلازم صوت السارد حين يصف حادثة الاعتداء تلك، وهو إحساس يتلبسه نوع من التحسر المدفوع بالحنين إلى استعادة زمن تلك القيم، وهو إحساس وثيق الصلة بمشاعر المؤلف من جهة، ومشاعر السارد من جهة أخرى لحظة تشكيل الحدث السردي.
ثانياً: في بعض المواقف والمشاهد السردية، لا يمر هذا الإحساس عبر وسيط رمزي كما لا حظنا للتو.
لكنه يعلن عن نفسه من خلال جملة من الحوارات والمونولوجات داخل الرواية، ويمكن الاستشهاد بالكثير منها. فعلى سبيل المثال حوار الأم صادقية مع رجل الإمارة «محمد المقرئ» أو الحوارات التي تضمها وابن أختها «بشيبش» ، أو الحوار الداخلي للشيخ «عيسى الخير» حينما حاطته الهواجس والريبة من تصرفات الإمارة ، وهكذا دائماً ما يكون هذا الإحساس معبراً عن أحد الدوافع العميقة للمؤلف في كتابة هذه الرواية.
ثالثاً: هناك ما يشبه التموضع الشعري للقيم داخل السرد، وهو طريقة أخرى للتعبير عن هذا الإحساس المشبع بالحنين. هذا التموضع هو الأكثر تقنية واحترافية في الأسلوب السردي التي تتبعها الرواية. وما نقصده هنا بهذا التموضع هو تحويل أفعال الشخصيات إلى دلالة رمزية دون أن تفقد الشخصية ذاتها ووظيفتها البنائية أو الفنية.
إن أكثر ما يتجلى ذلك في شخصية «بشيبش» وأيضاً «الأم صادقية»، فعلى سبيل المثال «كان يبيت «بشيبش» أسفل سرير الأم محتضنا بندقيته «مِعْتِق « هذا اسمها تيمنا بواديهم الذي يعتق كل من يلوذ به هارباً من قصاص يطارده ص123 « أو يمكن الإشارة إلى الموقف الذي قلع فيه الشجيرات المحيطة بقبر زوجته بعد أن دله جمله البارق إلى مكانه.
أيضاً موقف الشيخ عيسى الذي بات يحضن بندقية «بشيبش» ويُقبّلها وهي مازالت تحمل آثار حريق مسها، وشرخت روحه لمحةُ بكاء حين تذكر الراحل وأن هذه البندقية مصدر أمان واديهم «. جميع هذه المواقف وغيرها أيضا تؤكد مقدرة الرواية في خلق التعاضد الذي يشد مفاصل السرد من العمق بين الحس الحنيني ودلالات رمزيته الشعرية في أفعال وسلوك الشخصيات.
رابعاً: هناك تنويعات أخرى على مثل هذا التعاضد نجده يتمثل في طريقة استحضار الطقوس والعادات والأساطير كما في طريقة دفن الحبل السري للمولودة شريفة، أو حضور جلاب الغبار أو ما يسمى بـ «غُبري الليل» وكدلالة أخرى على واقعية سحرية يختلط فيها الغرائبي بالسحري.
خامساً: لولا جملة هذه التقنيات السردية التي أنعشت الحياة في عروق الرواية لكانت الرواية سقطت في فخ السارد الشارح الذي كان يفرض في جوانب معينة منها صوته دون أن يكون ضمن نسيجها الفني، ربما لأن الرواية أرادت أن تقول كل شيء عن تلك القيم التي اندثرت بغياب عالمها وشخوصها. وهذه بالطبع أحد المآزق التي تعانيها الرواية خصوصاً في مقارباتها لعوالم تاريخية، لا تنفك تتحدانا في الإمساك بكل خيوط تراثها خصوصاً إذا كان السرد الروائي هو الرهان على ذلك.

ساق الغراب… أساطير عيش على وشك حياة حقيقية

حين نستحضر الجزيرة العربية

ساق الغراب

«ساق الغراب» للسعودي يحيى امقاسم .. اللغة الشعبية والفصاحة تتداخلان في قصص الذاكرة

ساق الغراب.. من زمن الملحمة إلى زمن لا وجه له

ساق الغراب ليحيى اَمقاسم: نشيد لـ: سادة الضوء.. سادة الزمن الجميل

عام سعيد يا رنا

18 June 2007

الهائمون

يا ويلتاه يقدحني حذاء جدي الآن

2 May 2007

مريم الأخرى

9 March 2007

…، فلا يسرقني عبدالله ثابت!

15 February 2007

لاحتقان الأصدقاء أولاً.. لإله يختصر المشقة دائماً إليها وحدها

2 December 2006

تداعيات غيابك

27 October 2006

… وشيءٌ للبنان في إغماضة الوريد

10 August 2006

جون.. كما حكتها ر.ش

24 July 2006

شلل نصف

23 June 2006

رسالة مهملة للأمل

13 June 2006

لبيروت أنتِ (ر.ش)..

11 June 2006

البطاقة الثالثة: خطأ جانبي

1 June 2006

امرأة تحمل بطاقات تعريفية برجل تجهله 2

30 May 2006